يوسف زيدان
3
رسالة الأعضاء
مقدّمة كان ابن النفيس ، من دون شك ، عبقريّا . ومن دلائل عبقريته ، هذا التنوع الكبير في مؤلفاته ، بين الطب والعلوم الأخرى ، وبين التخصصات الطبية ذاتها . . فهو لم يكتف بتدوين موسوعته الهائلة ( الشامل في الصناعة الطبية ) ولم يقتصر على شروحه الباهرة لأعمال أبقراط وابن سينا ، وإنما اقتحم بقلمه ميادين طبية لم تكن من قبله مطروقة ، فكتب في علم التغذية ( المختار من الأغذية ) ، وكتب في علم التوليد ( مواليد الثلاثة ) ، وكتب عن القلب ( مقالة في النبض ) . . وها هو ، في هذا الكتاب الذي بين أيدينا ، يقتحم مجالا نعرفه اليوم جيدا ، لكنه كان في أيامه مجهولا : علم وظائف الأعضاء ( الفسيولوجيا ) . وفي هذا الكتاب الذي يعد واحدا من بواكير الأعمال العلمية في مجال الفسيولوجيا العامة ، تغلب على ابن النفيس ( علاء الدين علي بن أبي الحرم القرشي ، رئيس أطباء مصر ، المتوفى 687 هجرية ) فلسفته الخاصة التي تظهر فيها بوضوح نظريته الغائية ، فنراه وهو يعلل طبيعة الأعضاء المكونة للجسم الإنساني ، بحسب الغايات التي خلقت من أجلها . وقد تراجعت ( النظرية الغائية ) من ميدان البحث العلمي المعاصر ، لكنها كانت في زمن ابن النفيس واحدة من أهم النظريات المفسّرة لطبيعة الأشياء ، وهو ما يمكن اعتباره الأساس الذي قامت عليه ( النظرية الوظيفية ) في مرحلة لا حقة على ابن النفيس بقرون من الزمان . والظاهر من مقدمة الكتاب ( الديباجة ) أن ابن النفيس قام بتأليف الكتاب تلبية لطلب واحد من أمراء زمانه ، هو الأمير حسام الدين . وقد أهدى إليه الكتاب ، تقربا إليه ! وهي مسألة نادرة في أعمال ابن النفيس ، التي لا يعرف فيها كتاب آخر أهداه المؤلف لأحد حكام زمانه . ولولا أن ابن النفيس يصرح في إهدائه بأنه أراد برسالته في الأعضاء : « أن أخدم بها جرايته العالية ، لأشرّفها باسمه ، وأعلي قدرها برسمه » وهي عبارة تفيد التقرّب لحاكم من أهل زمانه - لقلنا إن هذا الإهداء ، الاستثناء ، كان لأحد رجال عصره الذي ارتبط معه بصداقة خاصة ، أوجبت إهداء الكتاب .